الشنقيطي
50
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ويدعون رأيهم . وقال الحاكم : قد شهد عمر بن عبد العزيز وإمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب ، ثم ساق ذلك بسنده إليهما وضعف كتاب ابن حزم هذا جماعة ، وانتصر لتضعيفه أبو محمد بن حزم في محلّاه . والتحقيق صحة الاحتجاج به ، لأنه ثبت أنه كتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كتبه ليبين به أحكام الديات ، والزكوات وغيرها ، ونسخته معروفة في كتب الفقه والحديث ، ولا سيما عند من يحتج بالمرسل كمالك ، وأبي حنيفة ، وأحمد في أشهر الروايات . ومن أدلة قتله بها عموم حديث « المسلمون تتكافؤ دماؤهم » الحديث ، وسيأتي البحث فيه إن شاء اللّه ، ومن أوضح الأدلة في قتل الرجل بالمرأة قوله تعالى : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [ المائدة : 45 ] الآية ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأنّي رسول اللّه إلا بإحدى ثلاث : الثيّب الزاني ، والنفس بالنفس » الحديث ، أخرجه الشيخان ، وباقي الجماعة من حديث عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه . فعموم هذه الآية الكريمة ، وهذا الحديث الصحيح يقتضي قتل الرجل بالمرأة ، لأنّه نفس بنفس ، ولا يخرج عن هذا العموم ، إلّا ما أخرجه دليل صالح لتخصيص النّصّ به ؛ نعم يتوجه على هذا الاستدلال سؤالان : الأول : ما وجه الاستدلال بقوله تعالى : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ الآية ، مع أنه حكاية عن قوم موسى ، واللّه تعالى يقول : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [ المائدة : 48 ] . السؤال الثاني : لم لا يخصص عموم قتل النفس بالنفس في الآية والحديث المذكورين بقوله تعالى : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى [ البقرة : 178 ] ، لأن هذه الآية أخص من تلك ، لأنها فصّلت ما أجمل في الأولى ، ولأنّ هذه الامّة مخاطبة بها صريحا في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ [ البقرة : 178 ] الآية . الجواب عن السؤال الأول : أن التحقيق الذي عليه الجمهور ، ودلّت عليه نصوص الشرع ، أنّ كلّ ما ذكر لنا في كتابنا ، وسنّة نبّينا صلى اللّه عليه وسلم ، ممّا كان شرعا لمن قبلنا أنّه يكون شرعا لنا ، من حيث إنّه وارد في كتابنا ، أو سنة نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم ، لا من حيث إنّه كان شرعا لمن قبلنا ، لأنّه ما قصّ علينا في شرعنا إلّا لنعتبر به ، ونعمل بما تضمن . والنصوص الدالة على هذا كثيرة جدا ، ولأجل هذا أمر اللّه في القرآن العظيم في غير ما آية بالاعتبار بأحوالهم ، ووبّخ من لم يعقل ذلك ، كما في قوله تعالى في قوم لوط : وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ( 137 ) وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 138 ) [ الصافات : 137 - 138 ] .